وادان: استقبالٌ حاشدٌ يروي سيرةَ رجلٍ… ومدينةٌ تكتُبُ تاريخَها بحبرِ الوفاء

شهدتِ الساحةُ أمامَ منزلِ المرحومِ قيسِ ولدِ عابدينَ سيدي مشهداً استثنائياً، جسَّدَ معنى الوفاءِ والانتماء وتجسَّدتْ فيه روحُ التلاحمِ بينَ أبناءِ المدينةِ وزوارِها، وذلك في إطارِ فعالياتِ النسخةِ الثالثةِ من “مهرجانِ وادانَ للثقافةِ والتراث” التي حملتْ هذا العامَ اسمَ الفقيدِ الكبيرِ تخليداً لمسيرتِهِ النضاليةِ والثقافيةِ الغنية.لم يكنْ ذلك الاستقبالُ مجرّدَ تجمُّعٍ عابرٍ، بل كانْ ملحمةً شعبيةً أُقيمتْ لأبناءِ الراحلِ، الذينَ وفدوا إلى مدينةِ أجدادِهم ليشاركوا في هذا العرسِ الثقافي وليلمسوا بأيديهم حجمَ المكانةِ التي كانَ يَحظى بها والدُهم في قلوبِ أبناءِ وادان. خرجتِ الساكنةُ بكاملِها، صغيراً وكبيراً رجالاً ونساءً، لتحُطَّ رحالَها أمامَ منزلِ الفقيد، في لافتةٍ تعبّرُ عن الامتنانِ لرجلٍ قضى عمرَهُ في خدمةِ وطنهِ ومجتمعه، وكرَّسَ جزءاً كبيراً من عطائهِ لمدينةِ وادان حاملاً همَّها ومدافعاً عن تراثِها وهويتِها.تجلَّتْ ملامحُ التقديرِ في عيونِ الحاضرين، وتناغمتِ الأصواتُ بالدعاءِ للفقيدِ بالرحمة، ولأبنائهِ بطولِ العمرِ والبركة. كانَ المشهدُ مهيباً يختزلُ تاريخاً من العطاءِ والوفاء، ويؤكِّدُ أنَّ وادانَ ليستْ مجرّدَ مدينةٍ من حجارةٍ وطين، بل هي كيانٌ حيٌّ ينبضُ بالذاكرةِ الجمعية، يحفظُ لأبنائها البررةِ مكانتهم، ويُخلِّدُ ذكرى من ساهموا في بنائِها وصونِ تراثِها.هذا الحشدُ البشريُّ الكبيرُ، وذلكَ الاستقبالُ المهيبُ، لم يأتِ من فراغ، بل جاءَ ثمرةً لمسيرةِ حياةٍ حافلةٍ بالعطاءِ للراحلِ قيسِ ولدِ عابدينَ سيدي، الذي كانَ عنواناً للكرمِ والجود، ونموذجاً للرجلِ الوطنيِّ الذي آثرَ المصلحةَ العامةَ على الخاصة، وتركَ بصمةً واضحةً في مسيرةِ التنميةِ والثقافةِ في البلد. إنه تكريمٌ يستحقُّه الراحلُ، وتتويجٌ لمسيرتِهِ، وتأكيدٌ على أنَّ الأفعالَ الطيبةَ تبقى خالدةً في وجدانِ الناس، وأنَّ التراثَ الإنسانيَّ الأصيلَ هو الذي يَصنعُ أمجادَ الأممِ ويُحيي مدنَها.في هذا الجوِّ المفعمِ بالوفاءِ والحنين، تتجددُ العهودُ بينَ أبناءِ وادانَ وتراثِهم، وتتأكدُ الأهميةُ البالغةُ لمثلِ هذه المهرجاناتِ في صونِ الهويةِ ونقلِ القيمِ للأجيال. إنَّ إطلاقَ اسمِ المرحومِ قيسِ ولدِ عابدينَ سيدي على هذه النسخةِ من المهرجانِ هو وفاءٌ من مدينةِ وادانَ لرجلٍ من أبرزِ رجالاتِها، وتأكيدٌ على أنَّ التاريخَ يُكتبُ بأفعالِ الرجالِ قبلَ الكلمات، وأنَّ المدنَ العريقةَ تَعرِفُ كيفَ تُوفيُّ لرموزِها حقَّهم، وتُخلِّدُ ذكراهم في صفحاتِها المضيئة.وهكذا، تبقى وادانُ شامخةً بتاريخِها، وفيةً لرجالِها، محافظةً على تراثِها، في رسالةٍ واضحةٍ إلى العالمِ أنَّ الأصالةَ والمعاصرةَ يلتقيانِ في هذا البلدِ الموريتانيِّ العريق، حيثُ الماضي حاضرٌ نابضٌ، والمستقبلُ واعدٌ بمزيدِ من العطاءِ والحفاظِ على الموروثِ الثقافيّ والإنسانيّ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *